جـمـال الـطـاهـات
أهم ميزة لمبادرة الملكية الدستورية انها تأكيد على مركزية الملك في المشروع الإصلاحي الوطني.
ولكن الحقيقة الحاسمة في هذا المجال هي أن موقع الملك في الدولة، وموقعه في المشروع المفضي للإصلاج يتغير. فلا يمكن أن يبقى دور الملك دون تغيير. فالمطلوب تغيير دور الملك في الدولة حتى يصبح بالإمكان إطلاق ديناميكيات إصلاح جديدة. فالقاعدة المركزية هنا، لا يمكن أن يحصل الإصلاح ويبقى موقع العناصر المركزية في الدولة كما كانت. فالإصلاح عملية توزيع جديدة للمكونات الأساسية للدولة. ولكن هذا لا يعني انتقاص من قيمة الملك في الدولة. فالمطلوب تغيير دور الملك وليس الانتقاص منه.
ومحاولات تحريض الملك ضد مبادرة الملكية الدستورية حيث يصفها بعض أصحاب دكاكين الولاء أنها انتقاص من صلاحياته، وأنها تحدي له، تنطلق من مصلحة الفئات المستفيدة من الوضع الراهن بحيث يتم الحديث عن إصلاح يبقي كل شيء في مكانه. الهدف من الخطاب التحريضي هو: إبقاء الحال على ما هو عليه، وإبقاء الملك وحده يدفع الكلف السياسية لأخطاء المجموعات الحاكمة.
فما دام كل ما يجري يتم (بتوجيه من جلالة الملك). إذاً سيبقى هو بشكل أساسي مسئول عن كل ممارسات المجموعات الحاكمة. صحيح أن النص الدستوري يؤكد بوضوح بأن أوامر (وليس فقط توجيهات) الملك الشفوية والخطية لا تعفي الوزراء من مسئولياتهم، ولكن وبسبب تعذر محاسبة الوزراء عن أخطائهم وخطاياهم، يبقى الملك وحده الذي يتحمل المسئولية السياسية عن أداء الأجهزة التنفيذية.
المجموعات الحاكمة في الأردن والتي تأتي للمواقع التنفيذية اعتماداً على الملك يستفزها مجرد الحديث عن تغيير الأساس الموضوعي لتولي المناصب في الدولة. والتأكيد على الصفة التمثيلية كمعيار لتولي السلطة التنفيذية سوف يضع الكثيرين من دوائر الحكم، والمنافسين على المواقع المتقدمة في الدولة خارج قوائم التنافس. والسبب هو بكل بساطة أن أغلب رموز المجموعات الحاكمة ليس لهم قواعد اجتماعية تنتج شرعيتهم السياسية. هم مجرد حالات طفيلية يقتربون من مركز صناعة القرار بالاعتماد على كل الوسائل باستثناء التفويض الشعبي. تطبيق معيار الصفة التمثيلية كشرط لتولي السلطة التنفيذية سوف يغير علاقتهم بالمجتمع، وبالدولة، ويحرمهم من فرصة الاستيلاء على الموارد.
المجموعات الحاكمة الآن شريكة للملك. هي لا تأتي للسلطة استناداً إلى تفويض شعبي. تماماً كما هو الملك يستند في شرعيته إلى أسس ليست انتخابية. المجموعات الحاكمة تريد أن تستمر بإعادة انتاج نفسها استناداً إلى شرعية طفيلية تتغذى على أسس شرعية الملك في الدولة. وهذا يجعلها شريكة للملك، وليست تعبيراً عن مشروع وطني يقوده الملك.
ويبقى السؤال: هل يحتاج الملك أن تبقى الأمور تتم بالطريقة التي تتم بها الآن؟ هل حقيقة أن الملك هو الملك، تتطلب أن تبقى عملية اختيار الفريق الحاكم من مجموعة واحدة محصورة على الشلة الأقرب منه؟ هل هذا فيه مصلحة للملك وللدولة؟ هل بقاء الملك يتحمل - منفرداً - المسئولية السياسية عن أداء الأجهزة التنفيذية فيه احترام وتقدير للملك؟ الحقيقة أن اختباء الأجهزة التنفيذية خلف (توجيهات) الملك لتبرير ممارساتهم هو ببساطة توظيف للملك من قبل هذه المجموعة الحاكمة ليغطي ممارساتهم. فما يجري حقيقة، أنه بالرغم من اللغة الممجوة التي تستخدم في أوساط المجموعات الحاكمة ليعبروا عن ولائهم (لجلالة سيدنا ومولانا، وقائدنا....)، إلا أنهم جميعاً يدركون أنهم يوظفون الملك في خدمة مشروعهم، وليسوا هم في خدمة مشروع الملك.
وأوضح مثال في هذا المجال كان مشروع الأقاليم. لقد قدم المشروع للملك على إعتبار أنه مطلب للشعب الأردني. كما قدم المشروع للشعب الأردني، على إعتبار أنه (رغبة سيدنا). والنتيجة أن مشروع الأقاليم لم يكن مطلب شعبي، كما أنه لم يكن رغبة وأمر ملكي. هو مجرد صيغة لاستيلاء المجموعات الحاكمة على قنوات التواصل قليلة الفاعلية بين الملك وبين القاعدة الاجتماعية للحكم. وقد توصل الملك لهذه الحقيقة بعد أربعة سنوات، كما علم الناس بأن المشروع ليس رغبة ملكية بعد أربعة سنوات.
تنطع العديد من مراكز الثقل والمجموعات الحاكمة لمهاجمة مبادرة الملكية الدستورية، جاءت كلها في سياق واحد: اعتبار أهداف الملكية الدستورية وهي توزيع صلاحيات الملك على مؤسسات الدولة الدستورية والنأى بالملك عن الانشغال بالتفاصيل، مطالب ومواقف تنتقص من هيبة الملك وتتطاول على مقامه. ومجموعات النفوذ التي تعادي الملكية الدستورية تريد أن تبقي هيبة الملك رهينة الخيارات الفنية التي يرونها مناسبة. فكيف يكون الحديث عن الأسس الموضوعية للحكم اعتداء على مقام الملك، في حين توريط اسم الملك في ممارسات فاسدة مثل مشروع سكن كريم، حفاظ على مقام الملك؟
هناك من يقول أن الملك غاضب من مبادرة الملكية الدستورية، وغاضب من كل المشاركين فيها. والسؤال هو: هل يجوز للدولة أن تورط الملك في موقف من فكرة سياسية دون أن يستمع لوجهة نظر أصحاب هذه الفكرة؟ ربما سمع الملك عن المبادرة من طرف واحد هم: المجموعات الفاسدة التي ترى في تطوير الأساس الموضوعي للحكم، وتطوير لغة ممارسة السلطة في الأردن نهاية حتمية لنفوذها. ولكنه لم يسمع من المشاركين في مبادرة الملكية الدستورية. فهل يمكن أن يتورط الملك في مثل هذا الموقف استناداً إلى وجهة نظر من طرف واحد؟
إحدى الممارسات التي تكشف طبيعة المجموعات التي تريد أن تستمر بالعمل بغطاء من الملك فقط، هو ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية خلال زيارة وزيرة العدل الفرنسية للأردن. إذ بالرغم من المحددات الدستورية الحاسمة فيما يتعلق باستقلال القضاء. وبالرغم من الدور المستقل للقضاء، وبالرغم من أهمية التعامل مع القضاء بحساسية عالية، واستناداً إلى النص الدستوري. قدمت الصحف الأردنية عنوان عجيب وغريب من نوعه هو ((جلالة الملكة تستقبل وزيرة العدل الفرنسية وتبحث معها التعاون القضائي بين الأردن وفرنسا)). وهناك صحف نوهت في العنوان بأن جلالة الملكة التقت الوزيرة الفرنسية نيابة عن جلالة الملك. وبعيداً عن كل الدواعي والمبررات الفنية لأن تتم الأمور بطريقة مختلفة. هناك نقطة جوهرية، وهي أن الملك ليس - وتحت أي ظرف من الظروف – صاحب صلاحية على الجهاز القضائي. وبالتالي لا يجوز للملك -ولا تحت أي ظرف من الظروف - أن ينيب عنه من يمارس صلاحيات لا يملكها.
فإذا تبين بعد حين أن اتفاقية التعاون القضائي الأردنية الفرنسية بها عيوب، ترى من الذي سيتحمل المسئولية السياسية عن هذه العيوب. هل السفير الفرنسي في عمان والذي حضر اللقاء، أم معالي وزير العدل المسئول عن خدمة الجهاز القضائي وتمكين القضاة من تحقيق العدالة، أم الملك الذي أناب عنه من يبحث في التعاون القضائي بين الأردن وفرنسا شخصية وطنية لها احترامها وهي جلالة الملكة. ودونما حاجة لمناقشة خبرات جلالة الملكة في مجال القضاء، يجب التأكيد على أنها بموجب العنوان الذي ظهر في الصحف ارتكبت ثلاث مخالفات دستورية، الأولى مناقشة الشأن القضائي، والثانية مناقشة علاقات الأردن الخارجية، والثالثة تمثيل جلالة الملك، علماً بأن جلالة الملكة ليس لها أي صفة دستورية تتجاوز الأسس البرتوكولية؟
والسؤال الحاسم هو: هل يمكن أن يتم تنفيذ اصلاحات وطنية دون أسس موضوعية لهذه الإصلاحات؟ وهل تكفي النوايا الطيبة لتحقيق هذه الإصلاحات؟ هل يمكن تنفيذ وتحقيق إصلاحات دون أسس وقواعد صالحة؟
مثل هذه الأسئلة الهدف الأساسي منها هو التذكير بأن جلالة الملك ليس مظلة لأي وجهة نظر. هو رافعة وضمانة مركزية لديمومة الدولة، وهو الضامن للتوازن بين الجميع. ولكنه ليس هو الذي يقوم بتنفيذ الإصلاحات الضرورية. هو ببساطة يقود المركبة ولكنه ليس الموتور الذي يحركها. وهو في موقع قياة المركية لا يضع يديه مكان قوائم المحرك التي من شأنها تدوير العجلات، بل هو فقط يضمن اتجاه حركة المركبة. وهناك جهاز ومحرك ضخم هو الذي يقدم الطاقة اللازمة للحركة للأمام. ومطالبة الملك بأن يقوم بوضع يديه في ماتور المركبة لا يمكن تفسيرها باعتبارها ضرورة لتعزيز مقامه السامي. إنها ببساطة تحميله لمسئولية الخلل في الماتور، وحيلة لابعاده عن دور القيادة والتوجيه.