الخطر الأكيد: الأردن والإستراتيجية الصهيونية في المنطقة العربية

الدكتور إبراهيم علوش

قالت صحيفة الواشنطن تايمز Washington Times في عددها الصادر يوم 19 تشرين الثاني/ نوفمبر أن الملك عبدالله الثاني يقوم بحملة سلام سرية جريئة تهدف إلى الحصول على ضمانات علنية من كافة الدول العربية بأن "إسرائيل" ستقبل كدولة في المنطقة، وستدمج فيها. الرئيس بوش تعهد بدعم المبادرة، ولكن فقط إذا نجحت. وهي تدور حول الحصول على إعلان رسمي تلتزم به كل الدول العربية حول "الاعتراف والاندماج"، و بضمانات أمنية جماعية للدولة الصهيونية من شمال غرب أفريقيا إلى بحر العرب.

وقد أضافت الواشنطن تايمز في تقرير لها من لندن أن الموقف الذي عبر عنه جلالته بصدد النزاع في "الشرق الأوسط" في لقاء إذاعي تم خلال زيارته إلى بريطانيا يختلف عن المواقف المعادية ل"إسرائيل" لدى بعض القادة العرب الآخرين الذين يكثرون من انتقاد الدولة اليهودية، كموقف الرئيس حسني مبارك. كما انه يختلف عن الموقف الذي يصر بأن حل النزاع العربي-"الإسرائيلي" هو شرط لحل مشكلة الإرهاب العالمي، "مع أن الإرهابيين يستغلون هذا النزاع كذريعة لجرائمهم"، على حد تعبير الملك عبدالله الثاني.

وتشير الصحيفة أن الملك عبدالله ابتعد عن التهمة العربية المألوفة بأن "إسرائيل" وحدها تتحمل المسؤولية عن المأزق الحالي، قائلاً "أن علينا أن نزيل العنف على الجانبين"، وأن الدولة الفلسطينية لن تأت إلا إذا تلقت "إسرائيل" الضمانات العربية الرسمية اللازمة، "وهذا لم يتم التعهد به بشكل كافي حتى الآن"، وأن إعلان الضمانات العربي يجب أن يضع الأساس لأمن واندماج "إسرائيل" في المنطقة. وقد علقت الصحيفة أن فكرة اندماج "إسرائيل" في المنطقة تبقى مخالفة لموقف معظم البلدان العربية، حتى تلك التي وقعت معاهدات سلام مثل مصر. 

الفحوى الأساسي لمبادرة الملك هو: دولة فلسطينية مقابل ضمانات أمنية قوية من العرب. وتقول الصحيفة على لسان جلالته أن هذه المبادرة يجري حالياً الإعداد لها في حملة منسقة تضم الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والأردن ومصر. 

وقد علقت الصحيفة أن الدلائل تشير أن أشد مقاومة لفكرة "الاعتراف والاندماج" سوف تأتي من سوريا والعراق.

فماذا تعني الضمانات الأمنية العربية للدولة الصهيونية في الوقت الذي تتمتع فيه الأخيرة بالتفوق العسكري والدعم المالي والإعلامي والسياسي من الدول الغربية، وبالأسلحة النووية، وبسطوة الحركة الصهيونية العالمية؟ ومن الذي يهدد من: الدول العربية أم الدولة الصهيونية؟ ومن الذي يحتل أرض من؟ ومن يقتل ويشرد شعب من؟! 

بالرغم من ذلك، نجد الهاجس الأمني يحكم العقل السياسي الصهيوني، ويحكم السياسة الغربية في المنطقة العربية، فتجد مثلاً كل مرشح رئاسي في الولايات المتحدة يؤكد في برنامجه الانتخابي على الالتزام بأمن دولة "إسرائيل" لكي يجد إلى كرسي الرئاسة سبيلاً. ولهذا الأمر ما يبرره. فالأمن لا يفهم بمعناه الضيق، بمعنى تهديد الأمن الشخصي لليهود في الدولة الصهيونية من خلال العمليات الاستشهادية وغيرها، على الرغم من أهمية ذلك، بل يفهم بمعناه الاستراتيجي، وهذا هو المعنى الحقيقي للأمن. 

إذ رغم تفوق الدولة الصهيونية النوعي إستراتيجياً على المدى القصير وبالمعنى التقليدي إزاء الدول العربية، بالنسبة لعناصر القوة الأساسية التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، فإن ذلك لا يعطيها الأمن على المدى البعيد، إذا فهمنا الأمن بمعنى قدرة المشروع الصهيوني على الحياة في محيط غريب عنه ثقافياً وسياسياً و تاريخياً، بشكل مستقل عن أدوات التنفس الاصطناعي التي تقدمها الدول الغربية. فالتفوق الصهيوني في هذا السياق لا ينبع من عوامل ذاتية، بل من الخارج. وبالتالي، فإن قدرة المشروع الصهيوني على الاستمرار ترتبط بالقدرة على تغيير البيئة التي يعيش فيها هذا المشروع، أي تغيير البيئة العربية بشكل يجعل الحياة المستقلة للمشروع الصهيوني ممكنة. ومن هنا يأتي الترابط بين مفهوم الأمن الصهيوني ومفهوم "الاندماج في المنطقة" الوارد أعلاه. فالمشروع الصهيوني مثل سمكة نهرية شاء لها الاستعمار أن تعيش في محيط مالح هو المحيط العربي في وعاء اصطناعي، فإذا كان المحيط عاجزاً عن لفظ هذه السمكة، وأرادت أن تفرض عليه أن تعيش فيه وتنطلق لإيجاد مصادر غذائها الذاتي منه رغماً عنه، فإن عليها أن تغير من طبيعة هذا المحيط لتزيل ملوحته، فتقضي بذلك على السمكات الكبيرة التي تعيش فيه، وتحكمه هي. فالأمن الحقيقي للمشروع الصهيوني لا يتم إذن إلا بشيئين:

  1. القضاء على الهوية الحضارية للمنطقة، وتحويلها من عربية إلى "شرق أوسطية"، فالدولة الصهيونية ستبقى للابد غريبة في محيط عربي-إسلامي، ولكنها تصبح طبيعية في "شرق أوسط" يخلو من الملح العربي والإسلامي.
  2. القضاء على الدول العربية الكبيرة في هذا المحيط ليخلو لها الجو الإقليمي من العوائق، وعلى رأس هذه الدول العربية الكبيرة طبعاً مصر وسوريا والسعودية، وهي الدول التي تحكم القرار الرسمي العربي منذ حرب الخليج الثانية، بالإضافة إلى العراق. 

ومخطط "الشرق الأوسط الجديد" هو مخطط صهيوني - أمريكي قديم، دلّلت على وجوده أكثر من وثيقة، منها الوثيقة التي ترجمها بروفيسور الكيمياء، إسرائيل شاحاك، عام 1982 عن العبرية إلى الإنجليزية عن مجلة كيفنيم (اتجاهات)، وهي الناطق الرسمي باسم المنظمة الصهيونية العالمية World Zionist Organization.

تتحدث هذه الوثيقة عن ضرورة تفتيت الدول العربية الكبيرة مثل مصر وسوريا والعراق والسعودية، وعن إقامة الوطن البديل في الأردن. وتقوم فكرة التفتيت في هذه الاستراتيجية على تفجير الصراعات الطائفية والإثنية وغيرها، وعلى تسعير النزاعات الإقليمية كما في حالة الأردن.

والحقيقة هي أنّ هذه الوثيقة، والوثائق التي تشابهها تدعم بالأدلّة الاستنتاج المنطقي الذي يمكن اشتقاقه بدونها، وهو أنّ السياسات الأمريكية والصهيونية تهدف إلى إثارة النعرة الإقليمية والطائفية في بلادنا، كما يتضح من الطريقة التي تبنّى بها مثلا الكونغرس الأمريكي قضية الأقباط في مصر، أو الطريقة التي تثار بها قضية الأكراد في العراق ولكن ليس في تركيّا!

واستراتيجية التفتيت التي تنفّذ في بلادنا أصبحت أكثر راهنية اليوم بسبب عاملين يتشابكان ويتقاطعان ويعززان بعضهما في الدوافع والنتائج، أولهما يتعلّق بالمصلحة الصهيونية، وثانيهما يتعلق بالعولمة. أما العامل الأول فينبع من حقيقة موضوعية مفادها أنّ الأمن الحقيقي لدولة العدو لا يمكن أن يتحقق على المدى البعيد طالما لهذه المنطقة هوية عربية - إسلامية، وطالما وجد في هذه المنطقة دول أو أقطار عربية كبيرة نسبيا. فالأمن الحقيقي لدولة العدو يقتضي إذن تغيير هوية المنطقة الحضارية إلى "شرق أوسطية" وتغيير تركيبتها السياسية والاجتماعية إلى فسيفساء طائفية وإقليمية وجهوية. فإذا بقيت هذه الأرض عربية، فلا مكان لأي شيء اسمه "إسرائيل" عليها. أما إذا أصبحت هوية المنطقة "شرق أوسطية"، فيصبح وجه "إسرائيل" الشاذ طبيعيا فيها.

لذلك، يتطلّب أمن دولة العدو على المدى البعيد تنفيذ مشروع تفتيت التفتيت، أو تجزئة التجزئة، من أجل خلق فراغ إقليمي يسمح للكيان الصهيوني أن يلعب الدور الإمبراطوري السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني الذي يطمح له، ومن أجل خلق محيط تابع تستمد منه "إسرائيل" القوة والحيوية، عن طريق تحويل التهديد المحتمل إلى مجال حيوي.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فإنّ مشروع التفتيت الصهيوني هذا أصبح يتقاطع مع مشروع العولمة الذي تحمله الشركات متعدية الحدود ومؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وتجليات مشروع العولمة السياسية تتمثل في إضعاف السيادة الوطنية للدول كلها على أراضيها، وإضعاف سيادة دول العالم الثالث بالذات. لقد أصبح واضحا إذن أنّ الدعوات المحمومة للسماح بحرية انتقال السلع والخدمات ورأس المال والمعلومات غبر الحدود هي بالأساس دعاوى موجهة ضد القيود التي تفرضها الدول على التجارة والاستثمار والإعلام. كما أصبح واضحا أنّ الهجمة الأيديولوجية التي يركزها مروجو العولمة على الدول الوطنية ومشروعيتها أدّت، وتؤدي بقدر نجاحها، إلى بروز نزعتين تفكيكيتين في دول العالم الثالث بالذات، إذ بدأت الدول الوطنية مرحلة العولمة من مواقع أضعف بكثير من مثيلاتها في الغرب. النزعة التفكيكية الأولى هي النزعة ما فوق وطنية التي تدعو إلى تبنّي العولمة بالكامل تحت شعارات "إنسانية" عامة، مثل حقوق الإنسان وميزات التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي الخ. أما النزعة التفكيكية الثانية التي ستبرز بالضرورة عند إضعاف الدولة الوطنية والانتماء الوطني أو القومي الذي تقوم عليه، فهي النزعة ما دون وطنية، التي تترجم بالضرورة إلى نزعات إثنية وطائفية وجهوية، ومن هنا تأتي الإشارة السابقة إلى أنّ مخطط التفتيت الصهيوني الواعي للدول القطرية في الوطن العربي يتقاطع مع تجليات العولمة السياسية في دول العالم الثالث بالذات، إذ إنّ مصالح الشركات متعدية الحدود تقتضي إضعاف سيادة الدول عامة، وسيادة دول العالم الثالث خاصة، من أجل الوصول إلى مصادر المواد الخام واليد العاملة الرخيصة والأسواق دون قيود ولا تعقيدات.

ضمن هذا السياق التاريخي، دخل النظام العربي مؤتمر مدريد وتبنّى قولا وفعلا شعار "السلام كخيار استراتيجي". وما زال القرار السياسي لهذا النظام العربي محكوما بقرار الدول التي قام عليها "إعلان دمشق": سوريا ومصر والسعودية. واندفعت هذه الدول في بداية التسعينات بدرجات متفاوتة في مسيرة التفاوض أو التطبيع التي توّجت بمجموعة من المؤتمرات الاقتصادية "الشرق أوسطية" في عمّان والقاهرة والدار البيضاء. وقدّمت هذه التوجهات الغطاء السياسي لعقد اتفاقي أوسلو ووادي عربة، ولبعض الاختراقات التطبيعية الصهيونية في دول المغرب العربي والخليج العربي. وفي الوقت الذي تمّ فيه تبنّي هذا التوجه الانفتاحي تجاه العدو الصهيوني، أحكم الحصار على العراق. والحصار كما نعلم جميعا هو حصار رسمي عربي وإسلامي، لو أراد أقطاب النظام العربي تحدّيه لرفعوه وأسقطوه منذ أمد بعيد كما فعلت دول إفريقية أقل شأنا بأمر الحصار على ليبيا. ولكن قرار النظام العربي كان وما زال أن يبقى الحصار مفروضا على العراق، مع أنّ هذا الحصار يضعف حتى أولئك الذين يريدون التفاوض مع العدو الصهيوني.

المهم، اكتشف أقطاب النظام العربي في أواسط التسعينات من القرن الماضي أنّ مشروع السلام مع العدو هو مقدمة لتحقيق مشروع الهيمنة الصهيونية في ظل ما يسمى زورا ب "الشرق الأوسط الجديد"، واكتشفت الدول العربية الكبيرة أنّ المطلوب هو تهميشها وإلغاء دورها الإقليمي وفرض الشروط الصهيونية المذلة عليها. وتنبّهت الدولة المصرية إلى مشروع التفتيت فبدأت الصحافة المصرية تعالج الموضوع علنا. ومع وصول نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في دولة العدو، وتبنّي إدارة كلينتون الخط الصهيوني في التسوية بالكامل، وجدت الدولة القطرية العربية نفسها فجأة في حالة دفاع مستميت عن النفس، فاضطرّت مجبرة إلى اتخاذ بعض الإجراءات الوقائية ضد المخطط الذي يستهدفها. وكان من ذلك وقف مسيرة التطبيع، واتخاذ مواقف دفاعية أقوى في المفاوضات مع العدو، وتجاه السياسة الأمريكية في المنطقة، ولكن ضمن حدود مدروسة جيدا، لتحسين شروط العلاقة مع المعسكر الصهيوني - الأمريكي، وللتكيّف مع مشروعه، وإيجاد دور فيه. وخلق هذا التناقض المصلحي ما بين الدولة القطرية العربية من جهة والسياسة الأمريكية والصهيونية من جهة أخرى، فسحة حيوية لتنفس القوى المعادية للتغلغل الصهيوني في المنطقة على مستوى شعبي، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، والقوى المناهضة للتطبيع في الأردن ومصر وجميع أرجاء الوطن العربي. كما أنّ أقطاب النظام العربي، بعد حرب الخليج الثانية، بدءوا يضعون الفرامل على عملية التطبيع التي يمكن أن تقوم بها الدول العربية الصغيرة، وكان من انعكاسات ذلك مثلا إفشال المؤتمر الاقتصادي "الشرق أوسطي" الرابع في الدوحة. كما أنّ النصر الذي تحقق في جنوب لبنان ما كان من الممكن له أن يتم لولا الدعم والغطاء الرسمي السوري-المصري-السعودي. ولا بأس على القوى المناهضة للتغلغل الصهيوني أن تستفيد من هذا التناقض المصلحي (فقط) بين أقطاب النظام العربي والجبهة الصهيونية-الأمريكية التي أرادت تطوير مشروعها باتجاه التفتيت، والذي لا بد له أن يبدأ بتهميش الدور الإقليمي للدول العربية الكبيرة.

ولكن هذا لا يجوز أن يجرّنا إلى الوقوع في الأوهام. فهذه الدول مع التسوية من حيث المبدأ، وهي تستخدم ورقة مقاومة التطبيع كورقة تكتيكية فقط ضمن إطار مواجهة محدودة مع المشروع المعادي لتعديله لا لإسقاطه. ولو كانت هذه الدول جادة في تغيير ميزان القوى مع العدو، لقامت بكسر الحصار على العراق، في الوقت الذي تمارس فيه الضغوط على العراق لقبول توطين الفلسطينيين فيه. والتوطين، مثل التطبيع ومشروع الوطن البديل، جزء متكامل من مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي يستهدف ابتداء إضعاف، ومن ثم تفتيت، الدول العربية الكبيرة. ولهذا قام أقطاب النظام العربي بإفشال المبادرة القطرية لفك الحصار عن العراق لأنّ الحسابات الإقليمية المصلحية نفسها التي تجعل قطر راغبة بتخفيف وطأة الهيمنة السعودية على الخليج، هي التي تبقي الحصار الرسمي العربي مفروضا على العراق، وإن كانت توجهات شارون الأخيرة والدعم الأمريكي لها تفتح آفاقاً أوسع للعمل الخجول لتخفيف الحصار على العراق. وصحيح أنّ مصر وسوريا ساهمتا بكبح جماح الدولة الجزائرية في انطلاقتها الأخيرة نحو التطبيع، مع أنّ الفضل الأول يعود للشعب الجزائري نفسه، فإنّ هذه الخطوة تبقى من قبيل التدبير المنزلي للبيت العربي الداخلي، أما مقاومة المخطط المعادي جديا، ولو لأغراض تكتيكية، فتبدأ بكسر الحصار على العراق فوراً، خاصة عندما يطرح موضوع تفتيت العراق علناً على لسان بعض المسؤولين الغربيين والصهاينة.

ملاحظتان لا بد من إبدائهما في هذا السياق:

  1. أن مشروع الدولة الفلسطينية بحد ذاته لا يتناقض مع مشروع "الشرق الأوسط الجديد" إذا تم على قاعدة "اندماج" الدولة الصهيونية في المحيط العربي، لا على قاعدة الانسحاب الصهيوني من الضفة والقطاع دون قيد أو شرط، وهو المطلب الأساسي للانتفاضة الثانية. لا بل أن الدولة الفلسطينية ضمن سياق مشروع "الشرق الأوسط الجديد" تصبح مجرد جزء من لوحة فسيفسائية، وموطئ قدم للتغلغل الصهيوني في المنطقة العربية. ويسجل في هذا السياق أن اتفاق أوسلو الفلسطيني-"الإسرائيلي" تضمن بنوداً كاملة عن حرية وصول الدولة الصهيونية إلى الأسواق العربية. ويؤكد هذا الأمر أيضاً تصريح السفير الصهيوني في الأردن ديفيد دادون، حسب وكالة الصحافة الفرنسية يوم 26 تشرين الأول/أوكتوبر 2001 :"فقط في اليوم الذي تخلق فيه دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة سوف تنفتح عقول وقلوب كل الشعوب العربية لإعطاء المشروعية لحق الشعب اليهودي بدولة خاصة به . . . وإذا أردنا هذه المشروعية، فإن علينا أن نعترف بأن ذلك يرتبط بخلق دولة فلسطينية". 
  2. أن اليمين الليكودي في "إسرائيل"، بسبب رؤيته الضيقة للسياسة وتشنجه التوراتي الذي يجعله يعتبر أن السيطرة المباشرة على بضع أحياء سكنية في مدينة الخليل في الضفة الغربية أكثر أهمية من تقدم مشروع الشرق أوسطية في المجال الحيوي، بات يشكل نقطة احتكاك ليس مع اليسار الصهيوني فحسب، بل مع النخب الحاكمة في الغرب التي تجد مصلحتها أيضاً في انتقال المشروع الصهيوني إلى مرحلة أعلى ذاتية الدفع. وبالتالي، فأن تشنج هذا اليمين وإصراره على الصيغ القديمة للمشروع الصهيوني، أي إعطاء الأولوية للسيطرة المباشرة على الأرض، مقابل التضحية ببعض الأرض من أجل السيطرة على السياسة والثقافة والاقتصاد في المجال الحيوي، أصبح يشكل عائقاً موضوعياً أمام مشروع "الشرق أوسطية". وتغذي شعبية هذا اليمين في أوساط الناخبين الصهاينة غطرسة القوة من جهة، وهاجس الأمن بالمعنى الشخصي الضيق، لا بالمعنى الإستراتيجي. وبالتالي، نستنتج أن تصعيد العمليات الاستشهادية والعمل العسكري في فلسطين سوف يساهمان بإضعاف إندفاعة مشروع الشرق أوسطية، وهذا هو الأمر الذي يفسر الإصرار الأوروبي والأمريكي القاطع على قيام عرفات باتخاذ كافة الإجراءات لوقف العمل العسكري عندما تصاعدت وتيرته، قبل البدء بأي مفاوضات. 

الأردن في سياق مشروع "الشرق أوسطية" سياسياً:

لا يسعنا النظر إلى الإستراتيجية الصهيونية إزاء الأردن بمعزل عن هذه الإستراتيجية إزاء المحيط العربي، أو ما تعتبره "إسرائيل" مجالها الحيوي. وتقول وثيقة "كيفونيم" السابقة الذكر بالنسبة للأردن ما يلي: "الأردن: إنّ الأردن يشكل هدفا استراتيجيا آنيا على المدى القصير، ولكن ليس على المدى الطويل. فالأردن لا يمثل خطرا جديا على المدى الطويل بعد انحلاله ونقل السلطة إلى الفلسطينيين. ليست هناك أية فرصة لاستمرار الأردن بتركيبته الحالية مدة طويلة. وسياسة إسرائيل في الحرب والسلام يجب أن تتوجه نحو تصفية الأردن بنظامه الحالي ونقل الحكم للأغلبية الفلسطينية. وتغيير النظام شرق النهر سوف يحل مشكلة المناطق المكتظة بالسكان غرب النهر، فيكون الأردن لهم، والمناطق غرب النهر لليهود. وسيكون هناك تعايش وسلام حقيقيين فقط عندما يفهم العرب أنه بدون حكم يهودي بين النهر والبحر، لن يكون لهم أمن ولا وجود، فإذا أرادوا دولة وأمن، فإنّ ذلك سيكون لهم في الأردن فقط".

والأمر الذي لا يتحدث به أحد هو أنّ التعثّر الذي أصاب ما يسمى بعملية السلام مؤخرا، يعود جزئيا إلى عدم تحقق مشروع التفتيت الذي راهن عليه الصهاينة. فهذا المشروع، الذي يطرح أحيانا بصيغة "الشرق الأوسط الجديد"، هو مشروع السلام الحقيقي بالنسبة لهم. وسيبقى هذا المشروع خطرا ماثلا ما بقيت "إسرائيل، تعززها ضغوط العولمة. 

رغماً عن ذلك، يعتبر النظام في الأردن أن أحد أهم المكتسبات السياسية التي حققها من جراء توقيعه على معاهدة وادي عربة هو الإعلان "الإسرائيلي" الرسمي "أن الأردن ليس فلسطين"، أي التعهد بالتخلي عن مشروع إقامة الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن. ولكن إذا أردنا تجاوز مسألة مصداقية تعهدات الدول بشكل عام، وسجل الدولة الصهيونية في الالتزام بتعهداتها بشكل خاص، حيث أن الدول تلتزم بمصالحها الإستراتيجية، لا بتعهداتها، فأن الثغرة الأساسية في تصديق هذا التعهد الصهيوني تنبع من تناقضه مع وقائع ما يسمى بعملية التسوية ذاتها، وبالتحديد أكثر الطريقة التي يريد الطرفان الصهيوني والأمريكي أن يحلا فيها مشكلة اللاجئين. ولا بد من التنويه هنا أن معاهدة وادي عربة تركت قضية اللاجئين دون حل، ورحلتها إلى مفاوضات المتعددة، أي أنها تركت باب توطين اللاجئين في الأردن مفتوحاً على مصراعيه، وبالتالي تركت باب مشروع الوطن البديل مفتوحاً من الناحية الموضوعية، بغض النظر عن أية نوايا أو تعهدات.

والحقيقة هي أن مجرد الاعتراف بحق الدولة اليهودية بالوجود، على حد تعبير السفير دادون، وبمشروعية الاستيطان الصهيوني في فلسطين، يترك مشكلة اللاجئين بدون حل، خاصة وأن هناك شبه إجماع صهيوني على هذا الموقف، وأن ميزان القوى لن يجعل الحركة الصهيونية توافق على أكثر من صيغة شكلية لحق العودة، حيث أنها لا يمكن أن توافق على تسرب الملح إلى الوعاء الاصطناعي. على العكس من ذلك، مازال الحوار الصهيوني الداخلي يدور حول سبل التخلص من العرب الموجودين بينهم. والخلاصة، أن كل ذلك يطرح فوراً عدداً من الخيارات لحل مشكلة اللاجئين، يبرز على رأسها مشروع التوطين. لكن التوطين بالنسبة لبلد مثل الأردن يفتح الباب لتسلل مشروع الوطن البديل، مما يفجر النزعات الإقليمية ويهدد أمن واستقرار البلاد والنظام، على حد سواء. ويصر لبنان على رفض التوطين لاعتبارات مماثلة، رغم كونها أقل وطأة في الأردن منها في لبنان، بسبب ارتفاع نسبة الفلسطينيين في الأردن من السكان عن أضعاف مثيلتها في لبنان.

ومشروع التوطين/التطبيع/التفتيت كل متكامل هو فحوى مشروع "الشرق أوسطية"، وهو الشكل الذي سيأخذه بالضرورة مشروع التسوية في ظل موازين القوى الحالية. ونخلص من كل ما سبق أن إعطاء "إسرائيل" ضمانات أمنية عربية جماعية، والعمل على "اندماج" الدولة الصهيونية في نسيج المنطقة، يمثل خطراً على كل دول وسكان المنطقة، وعلى رأسها النظام في الأردن، مع أو بدون دولة فلسطينية. كما أن من شروط نجاح هذا "الاندماج" تصدير مشكلة اللاجئين إلى الدول العربية، الأمر الذي يزعزع استقرار النظام الأردني أكثر من غيره. وعلى الرغم من ذلك، نجد الأردن يستضيف ندوة شبه سرية حول اللاجئين، حسب مجلة الأسبوع العربي في عددها الصادر يوم 3 نيسان/ابريل 2000 ، في فندق الموفينبيك MovenPick على الشآطيء الشرقي للبحر الميت، شارك فيها أربعون خبيراً يمثلون 12 دولة بينها الأردن ومصر واليابان والولايات المتحدة والسويد وسويسرا وفرنسا والهند وهولندا و"إسرائيل" والسلطة الفلسطينية. وقد كان العنوان الرئيسي للندوة: "البعد الإنساني لقضية اللاجئين"، حيث كثف المشاركون الصهاينة جهودهم "من أجل إبقاء القضية ضمن إطارها الإنساني فقط". وكان من ذلك أنهم ركزوا على معاناة "والوضع الإنساني للاجئين الفلسطينيين في لبنان"، وعلى استعدادهم للمساهمة في الجهود الرامية إلى تحسين أوضاعهم. فما يعني طرح قضية اللاجئين ضمن إطارها الإنساني فقط إلا فرض المشروع الصهيوني وهو التوطين كبديل عن العودة؟! وماذا يعني عقد ندوة في الأردن تحت العنوان الإنساني فقط إلا التعاطي الإيجابي مع هذا المشروع، حتى لو قامت بعض الأوراق المطروحة في الندوة بالتطرق إلى ما يتجاوز الإطار الإنساني؟! 

الأردن في مشروع "الشرق أوسطية" اقتصادياً:

أما اقتصادياً، فأن الرؤيا الأمريكية للأردن تراه بوضوح كموطئ قدم للمحور "الإسرائيلي" والشركات المتعدية الحدود باتجاه الدول العربية المجاورة. 

وللتأكيد على هذا القول، أترجم لكم تاليا جزءا من تقرير السفارة الأمريكية في عمان إلى الشركات الأمريكية حول العالم حول حالة الأردن الاقتصادية وفرص الاستثمار المجدي فيه. التقرير يمكن لأي كان أن يقرأه على موقع الإنترنت التابع للسفارة الأمريكية في عمان تحت عنوان "دليل البلدان التجاري: الأردن"(Commercial Country Guide: Jordan) ، وهو تقرير يصدر سنويا. ولكني سأعود إلى تقرير عام 1998 لأنه يتضمن معلومات مهمة لم تتكرر في التقريرين اللذين صدرا بعده عن الاستراتيجية العامة التي يتوجب أن تتبعها الشركات الأمريكية في الأردن. يقول التقرير المذكور في صفحته الثانية أنّ الفرص المتاحة للشركات الأمريكية للاستثمار في الأردن تتركز في المجالات التالية:

  1. بناء وتشغيل محطات توليد الطاقة
  2. التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي واستخراج الصخر الزيتي
  3. تعدين الذهب واليورانيوم
  4. بناء وتشغيل شبكات الاتصالات والمعلوماتية
  5. تأسيس شبكة الهاتف النقال الثانية
  6. تطوير المرفأ الصناعي في العقبة
  7. بناء وتشغيل خط سكة حديد للنقل الخفيف بين عمان والزرقاء
  8. توسيع وتشغيل سكة الحديد بين العقبة والشيدية
  9. بناء وتشغيل مطار السلام في منطقة العقبة - إيلات

 

وما عدا ذلك، يذكر التقرير ثلاثة مجالات للاستثمار المالي في الأردن في إدارة صناديق الاستثمار والمتاجرة بالأسهم والسندات والمشتقات المالية. وهذه جميعا تدخل ضمن حركة رؤوس الأموال قصيرة المدى التي لا ترتبط بعمل إنتاجي ملموس كما سلف. أما القطاعات الصناعية المختلفة في الأردن، من الصناعات الغذائية إلى الصناعات الدوائية إلى الصناعات النسيجية وغيرها، فيعتبرها تقرير السفارة الأمريكية مجالا رحبا لتصدير السلع الأمريكية إلى الأردن.

ويمكن أن نقول الكثير أيضا حول إستراتيجية الاستثمار المباشر في الأردن كما وضعته السفارة الأمريكية، ومن ذلك أنّ اتجاهات هذا الاستثمار تصب كلها في سياق استغلال ثروات الأردن الطبيعية (لاحظ الإشارة إلى اليورانيوم؟؟). أما تطوير شبكة المواصلات والاتصالات، فيلعب دورا مهما في تسهيل حركة الاستيراد والتصدير للسلع والخدمات ورأس المال إلى وعبر الإردن، كما أنه يهيّئ الأردن للدور المرسوم له كموطئ قدم للتغلغل الاقتصادي والسياسي الأمريكي والصهيوني في الدول العربية المجاورة، خاصة الكبيرة منها. وما عدا ذلك، فإنّ استراتيجية الاستثمار الأمريكي في الأردن تتمحور حول منافسة الصناعات المحلية وضربها من خلال التصدير، وحول الاستثمارات المالية قصيرة الأمد في الأسهم والسندات والمشتقات المالية التي لا تؤدي إلى تنمية أو زيادة في الطاقة الإنتاجية، هذا إذا لم تؤد إلى زعزعة الاقتصاد الأردني الصغير والهش، كما فعلت بمن كانت اقتصادية أقوى وأصلب.

وبالرغم من تباطؤ مسيرة التطبيع خلال الأعوام الماضية، حتى قبل الانتفاضة الثانية، تم افتتاح المنطقة الصناعية الرابعة للمشاريع المشتركة مع "إسرائيل" قرب مدينة الزرقاء يوم 18 تموز/يوليو 2001 ضمن السياق نفسه المذكور أعلاه، وللاستفادة من الاحتياطيات الهائلة من القوة العاملة في تلك المنطقة. ولكن ذلك كله لن يغير من الأمر شيئاً، فإما الكيان الصهيوني المتمدد، من خلال "الشرق أوسطية"، وأما الأمة العربية الموحدة، على حد تعبير الدكتور هشام غصيب. فالكيان الصهيوني هو النقيض الإستراتيجي للأمة العربية، ولن هذا يحل التناقض الجذري التناحري بينهما إلا بالعنف، فكل ما سبق يثبت أن التعايش غير ممكن مع هذا المشروع، فهو لا يستطيع العيش إلا بقتلنا، ونحن لا نستطيع العيش إلا بقتله.